مفاتيح قراءة التاريخ والمستقبل: المنهجية الثلاثية لـ “الأمر الرابع”

قراءة في الدرس الثالث من كتاب النبذة الصغرى | الحبيب أبوبكر المشهور

بعد أن أسسنا في الدروس السابقة لمفهوم “الأمر الرابع” (العلم بعلامات الساعة) كجزء لا يتجزأ من فهم “أمر الدين” كما جاء في حديث جبريل، ننتقل في هذا الدرس المفصلي إلى الجانب التطبيقي: كيف نقرأ التاريخ؟ وكيف نستشرف المستقبل وفق هذا المنهج؟

في هذا الدرس، يطرح الحبيب أبوبكر المشهور منهجية علمية لقراءة نصوص الوحي (القرآن والسنة) عبر تقسيمها إلى ثلاث قراءات رئيسية تشكل خارطة طريق لفهم حركة الزمن.

🔴 تذكير منهجي: “الأمر الرابع” لا “الركن الرابع”

قبل استعراض القراءات، وجب التذكير بالتوجيه المنهجي الهام لطلاب هذا العلم:

  • يتم استخدام مصطلح “الأمر الرابع” أو “العلم بعلامات الساعة” بدلاً من “الركن الرابع”.

  • يأتي هذا التعديل استناداً لنص الحديث “هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم، وحرصاً على أدب الحوار مع العلماء وجمع الكلمة، وتجنباً لأي صدام مع مصطلحات علماء الأصول الذين حصروا الأركان في ثلاثة.

  • يندرج هذا العلم (الأمر الرابع) تحت فقه “المتغيرات”، بينما تندرج الأمور الثلاثة (الإسلام، الإيمان، الإحسان) تحت فقه “الثوابت”.


القراءات الثلاث: منهجية فهم “فقه التحولات”

لفهم “المتغيرات” والتحولات التاريخية، يقسم الحبيب أبوبكر التعامل مع النصوص الشرعية إلى ثلاثة مسارات:

1. القراءة الأولى: قراءة الخصوصيات (المرحلة الواقعية)

وهي الأساس الذي نبني عليه كل شيء. والمقصود بها دراسة مرحلة الوحي (حياة النبي ﷺ من البعثة إلى الوفاة).

  • لماذا هي “واقعية”؟ لأنها المرحلة التي نزل فيها القرآن منجماً (مفرقاً) حسب الوقائع، وتأسست فيها الشريعة.

  • سنة المواقف: يشير الحبيب هنا إلى مفهوم عميق وهو “سنة المواقف”؛ أي كيف تعامل النبي ﷺ مع أصناف البشر المختلفة (المنافق، الجاهل، المخطئ) في مواقف محددة. دراسة هذه المواقف تعلمنا “فقه التعامل” مع المتغيرات وليس مجرد حفظ الأحكام الفقهية الصرفة.

2. القراءة الثانية: النصوص الاستباقية (قراءة المستقبل)

هنا ننتقل من “ما حدث” إلى “ما سيحدث”. “النصوص الاستباقية” هي الآيات والأحاديث التي تتحدث عن المستقبل، وعلامات الساعة، والفتن التي ستظهر في الأمة.

  • يندرج هذا النوع تحت ما سمي في هيكلة العلم بـ “فقه الإشارات والبشارات والنذارات” (أحد العلوم الخمسة للأمر الرابع).

  • مثال: حديث “الاستتباع” (جحر الضب)، وكيف أن الأمة في آخر الزمان ستقلد الأمم الأخرى في الموضة والثقافة والسلوك، حتى تفقد هويتها، وهو ما نراه اليوم واقعاً ملموساً.

3. القراءة الثالثة: النصوص الاستقرائية (قراءة الماضي)

وهي قراءة قصص الأمم السابقة (من لدن آدم عليه السلام إلى بعثة النبي ﷺ) لاستقراء السنن الإلهية.

  • هذا المسار يمثل العلم الخامس من علوم الأمر الرابع في المشجر المعتمد: “فقه الربط الشرعي بين الديانة والتاريخ”.

  • جذور الإرهاب: في لفتة بارعة، يربط الحبيب بين “الإرهاب” المعاصر وقصة “قابيل وهابيل”. قابيل هو “أول إرهابي” في التاريخ، وفكرة القتل والإفساد هي فكرة شيطانية قديمة. قراءة “النصوص الاستقرائية” تجعلنا نفهم أن الصراع بين الحق والباطل يتكرر بصور مختلفة عبر التاريخ.

الخلاصة:

الهدف من هذه القراءات ليس مجرد الثقافة التاريخية، بل تحقيق “السلامة”. عندما يمتلك المسلم هذه المفاتيح الثلاثة ضمن “الأمر الرابع”، فإنه يمتلك “فقه الربط الشرعي بين الديانة والتاريخ”، مما يمنحه حصانة فكرية واطمئناناً قلبياً، فلا يصاب بالصدمة أو اليأس مما يراه من فتن، لأنه يدرك أن كل هذا يجري بعلم الله وسنته.

رابط الفيديو للمشاهدة: https://youtu.be/drLEarWEUYI?si=FZ0H4kx5Jxf0W2E6

📤 مشاركة الرابط